المسعودي
107
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وترابها ثيابا ( 1 ) ، وماءها طيباً ، والكتاب شعاراً ، والدعاء دثاراً ، ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، يا نوف ، ان الله تعالى أوحى إلى عبده عيسى عليه السلام ان قُلْ لبني إسرائيل ألا يدخلوا إليَّ إلا بقلوب وجِلة ، وأبصار خاشعة ، وأكف نقية ، واعلِمهم أني لا أجيب لأحد منهم دعوة ولأحد من خلقي قِبَلَهم مَظلمة . قال محمد بن علي الربعي : فوالله لقد كتب المهتدي هذا الخبر بخطه ، وقد كنت اسمعه في جوف الليل وقد خلا بربه في بيت كان لخلوته وهو يبكي ويقول : يا نوف ، طوبى للزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الآخرة ، ويمر في الخبر إلى آخره ، إلى أن كان من أمره ما كان مع الأتراك وقتلهم إياه . علة حب الدنيا : قال محمد بن علي : قلت للمهتدي ذات يوم - وقد خلوت به ، وقد أكثرنا من ذكر آفات الدنيا ومن رغب فيها ، ومن انحرف عنها وزهد فيها - : يا أمير المؤمنين ، ما للإنسان العاقل المميز مع علمه بجميع آفات الدنيا وسرعة انتقالها وزوالها وغرورها لطلابها يحبها ويأنس إليها ؟ قال المهتدي : حُقَّ ذلك له منها خُلق فهي أمه ، وفيها نشأ فهي عيشه ، ومنها قدر رزقه فهي حياته ، وفيها يعاد فهي كفاته ، وفيها اكتسب الجنة فهي مبدأ سعادته ، والدنيا ممر الصالحين إلى الجنة ، فكيف لا يحب طريقاً تأخذ بسالكها إلى الجنة في نعيم مقيم ( 2 ) خالداً مخلدا ان كان من أهلها ؟ ! وقيل : ان هذا الكلام في جواب علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وأجاب به سائلا سأله عن ذلك ، وهو مأخوذ من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حين مدح الدنيا وذم الذام لها ، على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر زهده وأخباره .
--> ( 1 ) في نسخة : وترابها سباتا . ( 2 ) في نسخة : في نعيم لا يزول .